صدى الاعلام_أبلغت ألمانيا فرنسا رغبتيها الانسحاب من مشروع تطوير مقاتلة أوروبية مشتركة من الجيل المقبل، في خطوة تمثل ضربة قوية لأكبر برنامج دفاعي أوروبي مشترك، وسط مساعي القارة لتعزيز قدراتها العسكرية في مواجهة ما تعتبره تهديدات أمنية متزايدة مرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، بحسب صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
وأوضحت الصحيفة أن المستشار الألماني فريدريش ميرز أبلغ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال اجتماع جمعهما في مونتينيجرو، بأن برلين ترى أن إنهاء الشراكة الخاصة بالمقاتلة سيكون الخيار الأفضل.
واقترح في المقابل استمرار التعاون بين ألمانيا وفرنسا وإسبانيا في تطوير ما يُعرف بـ”السحابة القتالية”، وهي منظومة رقمية تهدف إلى ربط الطائرات والرادارات وأجهزة الاستشعار والطائرات المُسيّرة والأقمار الصناعية في الوقت الفعلي، بحسب فايننشال تايمز البريطانية، أكدت الرئاسة الفرنسية لاحقًا أن مشروع المقاتلة المشتركة لن يستمر بصيغته الحالية.
خلافات صناعية
جاء القرار بعد أشهر من المحاولات السياسية لإنقاذ المشروع المعروف باسم “نظام القتال الجوي المستقبلي” FCAS، الذي تُقدّر قيمته بنحو 100 مليار يورو، ويهدف إلى استبدال مقاتلات “رافال” الفرنسية و”يوروفايتر” الألمانية والإسبانية بحلول عام 2040.
وفي الأثناء، فشلت جهود الوساطة، التي قادها ماكرون وميرز، في تجاوز الخلافات العميقة بين شركة “داسو للطيران” الفرنسية وشركة “إيرباص للدفاع” الألمانية، إذ تركزت النزاعات حول توزيع الأعمال وحقوق الملكية الفكرية وآليات الإدارة، ما أدى إلى تدهور العلاقات بين الشركتين ودفع بعض المسؤولين التنفيذيين إلى تفضيل إنهاء الشراكة بالكامل.
حسابات عسكرية
اعتبرت دوائر داخل الحكومة الألمانية أن المشكلة لا تقتصر على الخلافات الصناعية، بل تمتد إلى طبيعة المقاتلة نفسها، إذ رأت برلين أن التصميم المقترح يتأثر بدرجة كبيرة بالمتطلبات المرتبطة بمنظومة الردع النووي الفرنسية، وهو ما لا يتوافق بالكامل مع احتياجات الجيش الألماني المستقبلية.
إضافة إلى ذلك، يعكس القرار تنامي ثقة ألمانيا في قدرتها على تنفيذ خططها العسكرية بصورة مستقلة، في ظل برنامج واسع لإعادة بناء القدرات الدفاعية تتجاوز قيمته 750 مليار يورو بحلول عام 2030، وهو ما يمنح برلين مساحة أكبر لإعادة تقييم أولوياتها الدفاعية ومشروعاتها المشتركة.
مستقبل غامض
أثار الانسحاب الألماني تساؤلات حول مستقبل بقية مكونات برنامج FCAS، بما في ذلك الطائرات المُسيّرة وأجهزة الاستشعار والمحركات، إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه العناصر قادرة على الاستمرار دون المقاتلة التي تمثل حجر الأساس للمشروع.
إلى جانب ذلك، أكدت مصادر ألمانية أن برلين لا تزال ترى أهمية إستراتيجية كبيرة لمشروع “السحابة القتالية”، الذي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لمعالجة البيانات الميدانية الضخمة وتوزيعها بين مختلف المنصات العسكرية. وتشارك في تطوير هذه المنظومة شركات “إيرباص” و”تاليس” الفرنسية و”إندرا” الإسبانية.
تداعيات أوروبية
مثّل مشروع FCAS منذ إطلاقه عام 2017 رمزًا لطموحات أوروبا في بناء قدرات دفاعية مشتركة وتقليل الاعتماد على الأنظمة العسكرية الأجنبية، لذلك ينظر إلى تعثره باعتباره انتكاسة سياسية وصناعية لمشروع التعاون الدفاعي الأوروبي.
واختتمت الصحيفة بالإشارة إلى أن ماكرون دافع مرارًا عن استمرار البرنامج، معتبرًا أنه اختبار حقيقي لقدرة الدول الأوروبية على تطوير حلول دفاعية مشتركة، إلا أن الخلافات الصناعية والإستراتيجية بين باريس وبرلين بدت أقوى من الجهود السياسية الرامية إلى الحفاظ على المشروع، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة رسم خريطة التعاون العسكري الأوروبي.









