أكاذيب الإخوان.. دور الجماعة المتخيّل والمكذوب في حرب فلسطين 1948

14 يناير 2026آخر تحديث :
أكاذيب الإخوان.. دور الجماعة المتخيّل والمكذوب في حرب فلسطين 1948

صدى الإعلام: – تتعامل جماعة الإخوان المسلمين مع القضية الفلسطينية على أنّها إحدى ممتلكاتها، وتبني خطابها الشعبوي على نصرة القضية الفلسطينية وتحرير أرض فلسطين، ومجمل المزايدات التي تزايدها على النظم والإدارات التي لا تكون جزءاً منها تكون بخصوص القضية الفلسطينية، وتتهم الجميع بالتقصير والخيانة رغم ما يُثبته التاريخ من مواقف سياسية وواقعية، ولا تعترف بأيّ مجهود أو دور يسعى نحو حلّ الأزمة الفلسطينية طالما أنّها لا تشارك فيه ولا تباركه.

وتعلن جماعة الإخوان المسلمين أنّها المدافع الأوحد عن القضية الفلسطينية، وأنّ القضية الفلسطينية كانت من أسباب نشأتها، رغم أنّها نشأت قبل إعلان قيام دولة إسرائيل. وتقدّم الجماعة سردية دعائية حول بطولاتها في حرب فلسطين عام 1948، وتضع نفسها في موقع المدافع والمُضحي الأوحد في هذه الحرب، غير أنّ المراجعات التاريخية الدقيقة تكشف حجم الفجوة بين الخطاب التعبوي للجماعة وبين الحقائق العسكرية والسياسية على الأرض، فالدور الذي روّجت له الجماعة لم يكن سوى بناءٍ دعائي يهدف لتثبيت شرعية سياسية مفقودة منذ تأسيسها.

خلفية الدعاية الإخوانية

اعتمد الإخوان في أدبياتهم على تصوير أنفسهم على أنّهم الطليعة المجاهدة التي سبقت الجيوش العربية في القتال، وأنّهم قدّموا آلاف المقاتلين، وأحدثوا تحولات جوهرية في مسار الحرب. هذا السرد تحوّل مع الزمن إلى عقيدة تنظيمية تُستخدم لإظهار الجماعة بوصفها قوة قومية وإسلامية موثوقة، لكنّ هذه الادعاءات لا تصمد أمام الفحص الأكاديمي الذي قام به باحثون مصريون وعرب، ولا أمام الوثائق العسكرية المصرية والعربية.

وفق تاريخ عمل الجماعة فإنّها بارعة في استغلال الفرص والفوضى والأحداث المفصلية، ولنا في أحداث الربيع العربي خير مثال. وهذا ما حدث حين صدر قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947م حيث وجد حسن البنا الفرصة الذهبية للتواجد العسكري لجماعة الإخوان على أرض مصر، وبدأ في الكتابة عن ضرورة الجهاد وحث المسلمين على الجهاد في فلسطين، وطالب بفتح باب التطوع في الحرب، وحمل حثه على فتح باب التطوع اتهام ضمني للحكومة والملك بالتواطؤ مع الإنجليز واليهود.

وبمنطق المزايدات الإخواني نشر حسن البنا مقالاً قال فيه: إنّ كتيبة من المتطوعين جاهزة، ومكوّنة من (10) آلاف مقاتل وعلى استعدادٍ تام للعمل تحت لواء الحكومة المصرية وتصرّف الملك، بل قال إنّهم رهن إشارته، وبعدها هناك كتيبة أخرى مثلها، وكان يهدف إلى تلميع صورة الإخوان واتهام الحكومة بالتقصير وفق المعهود من الخطاب الإخواني.

ولم يكتفِ حسن البنا بالاتهام الضمني للحكومة المصرية، ووجّه خطاباً رسمياً إلى مجلس جامعة الدول العربية يوم 9 تشرين الأول (أكتوبر) 1947 يعلن استعداده لأن يبعث كدفعة أولى (10) آلاف مجاهد من الإخوان إلى فلسطين، ويتهم الحكومة المصرية بأنّها ترفض أن تسمح لهم بالجهاد، ويعلن استعدادهم التام للجهاد في فلسطين، وخرجت صحيفة (الإخوان المسلمون) بصورة المتطوع الأول وهو فضيلة المرشد العام حسن البنا.

وحدث ما لم يتوقع أو ينتظره البنا، وفتحت الحكومة المصرية باب التطوع في حرب تحرير فلسطين عام 1948، وخصصت معسكرات لتدريب المتطوعين، وكان أغلبهم بلا خبراتٍ سابقة في الحروب وغير عارفين بعمل الجيش النظامي، ووحدهم الإخوان الذين لم ينضموا لهذه المعسكرات، وعلى خلاف ما قاله حس البنا بأنّ الكتائب ستكون رهن إشارة الحكومة والملك، أنشأت الجماعة معسكرات تدريب خاصة بها في المقطم.

أيّها اليهود انتظروا قليلاً فإنّ كتائب البنا ستتأخر بعض الوقت

في يوم 12 كانون الثاني (يناير) 1948 نشرت جريدة (مصر الفتاة) مقالاً بعنوان: “أيّها اليهود انتظروا قليلاً فإنّ كتائب الشيخ البنا ستتأخر بعض الوقت”، وحمل المقال بعض الاقتباسات من مقالات حسن البنا، وأكذوبة كتيبة العشرة آلاف مقاتل، وقالت إنّ هذا هو الوقت المفصلي الذي يسكت فيه القول ويتحدث السيف، ويختبر فيه كل صاحب ادعاء، ولا نجد ممّا ادعاه الشيخ شيئاً، فقد راسل مفتي فلسطين وجميع الملوك وانتظرنا جيشه الفاتك، ولا شيء.

وقد نصّ المقال قائلاً إنّه “نشر (500) اسم زعم أنّهم السرّية الأولى… ثم ماذا؟ ثم لا شيء أيّها الشيخ، إنّ الأمور تتضح وتظهر على حقيقتها، وإذا المسألة كما يعرف دائماً ليست إلا دجلاً وشعوذة، وضحكوا على عقول المصريين وغيرهم فيمن يأملون شيئاً من الخير في الشيخ وأعوانه.”

وفضحت جريدة (مصر الفتاة) الإخوان وشعارتهم بصراحة وجرأة قائلة: “كفى تهريجا أيّها الناس، وكونوا صادقين مرة في حياتكم كلها، وليعمل واحد منكم على تنفيذ شعاركم الذي تقولون فيه إنّ الموت في سبيل الله أحلى أمانينا، فإنّ ميدان الشرف والجهاد مفتوح للجميع، وطريق السفر براً وبحراً وجواً.”

واستغلّ حسن البنا فرصة إمكانية التواجد العسكري ومرّن المقاتلين كي يكون لديه جناح عسكري يمكن من خلاله أن يلوي ذراع الدولة أو ينشئ دولة داخل الدولة، وخدمة أهداف الجماعة الطامحة للسلطة السياسية فقط، ولم يرسل حسن البنا مقاتلين أو متطوعين في هذه الحرب، حتى أصدرت جريدة (مصر الفتاة) في عددها يوم 19 كانون الثاني (يناير) 1948، مقالاً كتبه محمد الظافر بعنوان: “إلى مرشد الإخوان حنانيك… وأرسل مئة”.

من الفعل المحدود إلى الأسطورة الكبرى

تذكر جماعة الإخوان أنّ أول كتيبة سافرت في تشرين الأول (أكتوبر) 1947 كانت بقيادة محمد فرغلي ومحمود لبيب، وكان عددهم (10) آلاف مقاتل، وذهبت بعد ذلك كتيبة أخرى لحرب العصابات الصهيونية في فلسطين، وعلى خلاف ما تروّجه الجماعة، فإنّ عدد المتطوعين من الإخوان الذين شاركوا عسكرياً في الحرب كان محدوداً للغاية. يتحدث البنا في مذكراته عن (900) خرجوا على دفعات، وفي مذكرات قادة آخرين كانوا هناك في فلسطين تحدثوا عن (250) من الإخوان، وفي بعض المصادر الإنجليزية كان الحديث عن (1000) من الإخوان، ولم يكن معظمهم مقاتلين محترفين ولا جزءاً من تشكيل عسكري نظامي.

وكان تقدير أعضاء التنظيم الإخواني آنذاك نصف مليون فرد تقريباً، وشارك في حرب 1948 بضع مئات فقط، في حين كانت عمليات التفجير والاغتيالات في مصر كبيرة، وكانت تحت إشراف تنظيم الإخوان المسلمين، وهاجمت الجماعات الإخوانية المسلحة اليهود في مصر، ومحلاتهم التجارية ومقراتهم، وفجّروا حارة اليهود عدة مرات.

وتظهر الوثائق العسكرية المصرية شكوى متكررة من عدم انضباط بعض المتطوعين الإخوان، ومحاولاتهم العمل خارج خطط الجيش، وتنفيذ عمليات بهدف الدعاية التنظيمية، والتورط في خلافات مع الضباط المصريين. وقد كان عمل جماعة الإخوان الدعائي لدورها في هذه الحرب غير متسق مع عملها الميداني والعسكري، بل كان عملها العسكري في العديد من الأحيان موجّه ناحية مصر وحكومتها.

والواقع أنّ الجماعة وجدت في حرب 1948 إمكانية بناء رصيد وطني تستقطب به الأعضاء وتجندهم، فلم تُعرف الجماعة تاريخياً بدور منظم في مقاومة الاستعمار البريطاني داخل مصر، ولذلك كانت بحاجة إلى “بطولة خارجية” تُعوّض النقص. كما أنّها قدّمت الجماعة حرب 1948 كتبرير أخلاقي لامتلاك جهازها السرّي العسكري الذي استخدمته لاحقاً في عمليات اغتيال داخل مصر.

وبعد الهزيمة العربية في 1948 وجدت الجماعة في الساحة الإعلامية فرصة لإعادة تشكيل دورها، فنُفخت بطولات صغيرة، وعُمّمت روايات المجاهدين الأفراد، وجرى تصوير المشاركة المحدودة كأنّها الفيصل في الحرب، في تجاهل سافر وغريب لمقالات (مصر الفتاة) والسجلات التاريخية. وتضخمت الرواية مع الزمن، وجرى استخدامها سياسياً لتكوين شرعية نضالية مزيفة، ومهاجمة الأنظمة العربية، والإيحاء بأنّ الجماعة تملك “الحل” الغائب للدولة الوطنية، وأنّها المدافع الوحيد عن القضية الفلسطينية.

لقد كان الدور الحقيقي للإخوان في حرب 1948 محدودًا، وثانويًا، وتحت إشراف الجيش المصري، ولم يكن له تأثير على مسار الحرب أو نتائجها، لكنّ الجماعة حوّلت هذا الدور المحدود إلى أسطورة سياسية تُستغل في الدعاية الداخلية وتبرير التنظيم المسلح، وفي صناعة هالة من البطولة الموهومة، وهذا ما هدفت إليه في حرب 1948. واستغلت قيادة الجماعة الحرب لبناء تنظيم مسلح داخل مصر، وهو ما انتبهت الدولة لخطورته بعد ذلك واعتبرته تهديداً مباشراً على الأمن القومي، وانتهى بإصدار قرار حلّ الجماعة في كانون الأول (ديسمبر) 1948.

الاخبار العاجلة