صدى الإعلام: _أفادت تقارير إعلامية متعددة، أن إسرائيل تسعى إلى إبرام اتفاق عسكري – أمني جديد مع الولايات المتحدة يمتد لعشرين عاماً، في خطوة تعد من الأكثر طموحاً في تاريخ العلاقات الإستراتيجية بين البلدين. ويمثل هذا التوجه تحولاً لافتاً عن الاتفاقيات التقليدية التي عادة ما تمتد لعشر سنوات، على غرار مذكرة التفاهم الموقعة عام 2016 والتي ينتهي العمل بها عام 2028، والتي تصل قيمتها إلى 38 مليار دولار. ويأتي هذا المسعى في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات واسعة، ومع نقاشات داخل الولايات المتحدة حول مستقبل المساعدات الخارجية وأولويات الإنفاق العسكري.
يشار إلى أن جامعة “براون” المرموقة أصدرت دراسات تفيد بأن الولايات المتحدة زودت إسرائيل بأكثر من 32 مليار دولار من الدعم العسكري منذ 7 تشرين الأول 2023، و نهاية شهر أيلول 2025 .
ولا تخفي إسرائيل قلقها من التحولات المتزايدة في الرأي العام الأميركي، خصوصاً بين الشباب والشرائح الليبرالية داخل الحزب الديمقراطي، حيث تظهر استطلاعات متعددة تراجعاً في التأييد التقليدي لإسرائيل واتساعاً للتيار الذي يطالب بمساءلة أكبر تجاه سياساتها العسكرية. وترى تل أبيب أن هذه النزعة، وإن كانت غير مؤثرة بشكل كامل حتى الآن على مستوى صنع القرار، قد تتطور خلال السنوات المقبلة إلى قوة ضاغطة تُحدّ من الدعم الأميركي غير المشروط، بل وقد تُرغم الإدارات الأميركية المقبلة على إعادة النظر في المساعدات العسكرية أو ربطها بشروط سياسية أو حقوقية. ولذلك، تسعى إسرائيل إلى اتفاق طويل الأمد يكون محصّناً نسبياً من تقلبات المزاج الشعبي الأميركي، ومن التحولات داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ويضمن الحفاظ على مستوى ثابت من الدعم مهما تغيّر السياق السياسي.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن إسرائيل ترغب في أن يمتد الاتفاق الجديد حتى عام 2048، في تزامن رمزي مع الذكرى المئوية للنكبة الفلسطينية وتأسيس الدولة. ويبدو أن تل أبيب ترى في هذا الامتداد الزمني الطويل فرصة لتأمين احتياجاتها العسكرية على مدى جيل كامل، وضمان استمرارية الدعم الأميركي دون اضطرارها لإعادة التفاوض في كل عقد، خصوصاً في ظل التغيرات السياسية المتسارعة في واشنطن والانقسامات الحادة داخل الكونغرس بشأن الدعم العسكري الخارجي.
وبحسب موقع “آكسيوس” الي كان أول من كشف ذلك الخميس الماضي، تتضمن المقترحات الإسرائيلية خطوطاً جديدة في طبيعة المساعدات، أبرزها تحويل جزء من المخصصات العسكرية إلى مشاريع مشتركة في مجال الأبحاث والتطوير، وخاصة في القطاعات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي العسكري، وأنظمة الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات، والتقنيات المتقدمة للطائرات المسيّرة. وتعتقد إسرائيل أن هذه الصيغة ستجعل الاتفاق أكثر قبولاً لدى صناع القرار الأميركيين، خصوصاً التيارات التي ترفع شعار “أميركا أولاً”، والتي تُفضل أن تعود الاستفادة المباشرة إلى الصناعات الدفاعية الأميركية وليس فقط إلى الجانب الإسرائيلي.
وتدعي إسرائيل أن هذا النهج لا يعزز فقط التعاون التقني، بل يتيح للجيش الأميركي الحصول على تقنيات إسرائيلية مطوّرة ومجرّبة ميدانياً، وهو ما تعتبره تل أبيب نقطة بيع أساسية في مفاوضاتها. كما تشير التقديرات إلى أن الاتفاق قد يتضمن قيوداً أكبر على استخدام المساعدات داخل إسرائيل نفسها، بعد التوجه الأميركي المتزايد نحو إلزام الدول المتلقية بأن تُنفق معظم التمويل داخل الولايات المتحدة، ما يعود بالنفع على شركات الصناعات الدفاعية الأميركية.
وتتوقع مصادر دبلوماسية أن تكون المفاوضات معقدة وطويلة نسبياً، إذ سيجري فيها البحث ليس فقط في حجم المساعدات، بل في معايير الرقابة والشفافية، وفي كيفية دمج مشاريع الأبحاث المشتركة ضمن الإطار القانوني الأميركي الذي يحدد كيفية صرف المساعدات الأجنبية. كما أنه من المتوقع أن يواجه الاتفاق معارضة داخل الولايات المتحدة من بعض الأصوات التي ترى أن الالتزام طويل الأمد يقيد قدرة واشنطن على تعديل سياساتها الخارجية وفق الظروف الدولية، بينما قد يرحب آخرون بالاتفاق باعتباره يعزز الشراكة مع حليف استراتيجي في منطقة مضطربة.
وتأتي هذه التحركات في ظل أجواء إقليمية مشحونة، حيث تستمر التوترات في الجبهات الشمالية والجنوبية لإسرائيل، وسط نقاش داخلي حول جاهزية جيش الاحتلال الإسرائيلي وقدرته على مواجهة تحديات متعددة الجبهات. كما يأتي المسعى في ظل إعادة تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية، مع دخول عوامل جديدة كالتقارب الأميركي – العربي، وتنامي الأدوار الإقليمية لقوى دولية مثل الصين وروسيا.
ويمثل السعي الإسرائيلي لاتفاق تسليح يمتد لعشرين عاماً محاولة واضحة لصياغة “مظلة إستراتيجية” طويلة الأمد تحميها من تقلبات الداخل الأميركي، ومن المزاج الشعبي الذي بات أكثر نقدية تجاه سياساتها، وتمنحها حماية مستدامة في بيئة إقليمية ودولية تتغير بسرعة. لكن، ورغم الأهداف البعيدة للاتفاق، يبقى نجاحه رهن قدرة تل أبيب على إقناع واشنطن بأنّ هذا الالتزام الطويل لا يُثقل السياسة الأميركية، بل يشكل استثماراً مشتركاً في التفوق العسكري والتكنولوجي لكلا الطرفين. وفي نهاية المطاف، قد يكون الاتفاق – إن تحقق – محطة أساسية في إعادة تعريف طبيعة التحالف الأمني بين البلدين، بما يجعله أقل ارتباطاً بواقع اللحظة السياسية وأكثر رسوخاً في حسابات المدى الطويل.









