رحلة راعٍ إلى المجهول

16 ديسمبر 2019آخر تحديث :
رحلة راعٍ إلى المجهول

صدى الإعلام – أريحا: نبغي على ذياب دراغمة أن يخرج يوميا في رحلة رعي مع أغنامه في الجبال القريبة من خيامه في منطقة “سمرة” بالأغوار الشمالية، بحثا عن الكلأ، لاستمرارية الحياة في واحدة من المناطق التي تعتمد بشكل أساسي على تربية الماشية. وهذه الرحلة التي تحدث في أغلب مناطق الأغوار الشمالية، كانت تاريخيا عادة يومية لدى الفلسطينيين وساعدتهم على البقاء في المنطقة، لكنها صارت منذ سنوات قليلة ماضية رحلة تحيطها المخاطر.

ودراغمة الذي يسكن المنطقة منذ سنوات طويلة، قال “نخرج كل يوم إلى المراعي دون أن نعلم ما الذي ينتظرنا هناك“.

فالمنطقة التي تقع ضمن شريط جبلي ممتد على السفوح الشرقية للضفة الغربية، صارت في السنوات الماضية تجذب عددا من المستوطنين الممتهنين لتربية الماشية؛ ولهذا السبب أصبحت تلك الرحلات الرعوية اليومية للفلسطينيين محفوفة بالمخاطر غالبا، فيعترض المستوطنون في كثير منها الرعاة الفلسطينيين بشكل يكون في بعض الأحيان عنيفا.

حاليا يوثق حقوقيون ومهتمون بتوثيق انتهاكات المستوطنين ضد الرعاة الفلسطينيين، اعتداءات متنوعة يقوم بها مستوطنون منتشرون على قمم الجبال في الأغوار ضد الرعاة.

ففي عام 2018، رصدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 24 اعتداء قام بها مستوطنون في طوباس والأغوار الشمالية، وهو ما مثل تقريبا 3% من اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية.

ومن ضمن الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون، اعتداءات على المزارعين والرعاة للحيلولة دون وصولهم إلى مراعيهم أو مزارعهم، والاعتداء أيضا على الماشية، كون أغلب التجمعات السكانية في الأغوار الشمالية، خصوصا تلك المنتشرة في الجبال، تعتمد بشكل أساسي على تربية الماشية.

هذه الأيام يمكن مشاهدة قطعان ماشية للفلسطينيين تجوب المراعي القريبة من خيام مالكيها، المحاطة بتجمعات استيطانية، في مناطق متفرقة من الأغوار الشمالية.

وتشير الأرقام الواردة في تقرير لوحدة نظم المعلومات الجغرافية في معهد الأبحاث التطبيقية “أريج” أن ثماني مستوطنات إسرائيلية تتربع على أراضي محافظة طوباس، على مساحة إجمالية تصل إلى 8,243 دونما ويقطنها اليوم ما يزيد عن 2500 مستوطن إسرائيلي.

خلال السنوات القليلة الماضية، أقام المستوطنون 3 بؤر استيطانية جديدة في الأغوار الشمالية، وكلها لا تحمل أسماء واضحة، لكن بشكل عام وبحسب إحصاءات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان فإن عدد البؤر التي أقامها المستوطنون خلال العام الماضي في الضفة الغربية بلغ 10 بؤر.

ففي صيف عام 2016 بدأت البؤر الاستيطانية المنتشرة على قمم الجبال بالظهور في الأغوار الشمالية، وجلب المستوطنون القاطنون فيها مواشيهم، وأبقارهم معهم، متخذين الرعي مهنة أساسية في حياتهم.

وقال دراغمة: “لم يعد لنا منفذ للمراعي… الآن المستوطن يضع في عدة نقاط خزانات مياه يستخدمها لري مواشيه”.

الأمر يتكرر في مناطق مختلفة من الأغوار. فهذه الأيام يغلق المستوطنون آلاف الدونمات من المناطق الرعوية، وصار وصول الفلسطينيين إلى مساحات كبيرة منها أمرا شبه مستحيل، لما فيه من مخاطر عليهم.

وأوضح دراغمة، إذا أردنا الدخول إلى المناطق التي يستولي عليها المستوطنون يعني لنا الذهاب إلى شيء لا نعرف عقباه“.

بالشكل الطبيعي، حينما كانت المنطقة آمنة من المستوطنين، كان الرعاة في الأغوار يسرحون بأغنامهم لأكثر من 10  كم بعيدا عن خيامهم، لكنها في السنوات القليلة الماضية صارت المسافة أقل من ذلك بكثير. يقول دراغمة إنه الآن صار يسرح بمواشيه على أطراف المنطقة..  “رحلة لا تدري تفاصيلها أبدا، اليوم سأظل على أطراف المنطقة“.

قبل مجيء المستوطنين لم يلاقِ دراغمة مشاكل في الرعي بأغنامه في المكان الذي يريده، لكن حسب قوله فإنه منذ قدوم المستوطنين، اختلفت أمور كثيرة. قال: “في الشتاء والربيع كنا نظل في المراعي منذ الصباح حتى الثالثة عصرا.. اليوم لا نستطيع المكوث لما بعد الواحدة ظهرا.

وأضاف: “صرنا نخرج لشيء لا نعلم ما يخفيه… فقط إذا حاولنا الاقتراب قليلا من المراعي في السويدة ستبدأ مشاجرات بيننا وبين المستوطنين، ولا ندري هل نسلم منهم أم لا”.

وهذه الأيام يمكن سماع شهادات حية ومتواترة من عدد من مربي الماشية في الأغوار الشمالية، تنقل صورة ما يحدث من صراع مستمر بين المستوطنين والفلسطينيين في تلك الأماكن.

ويقول مركز المعلومات الإسرائيلي  لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة بتسيلم”: أضحى عنف المستوطنين (وأحياناً عنف المواطنين الإسرائيليّين الذين ليسوا مستوطنين) ضدّ الفلسطينيين منذ فترة طويلة جزءاً لا يتجزأ من روتين الاحتلال في الضفة الغربيّة. تشمل أعمال العنف هذه انتهاك لحياة الفلسطينيّين وسلامة أجسادهم وممتلكاتهم وأراضيهم.

وترى “بتسيلم من خلال آلاف الإفادات وأشرطة الفيديو والتّقارير والمتابعة طويلة الأمد التي قامت بها ومؤسسات أخرى حول هذا الموضوع، أنّ قوّات الاحتلال تسمح للمستوطنين على نحوٍ روتينيّ بإلحاق الأذى بالفلسطينيّين بل إنها ترافق المستوطنين لدى تنفيذ اعتداءاتهم وتدعمهم وتؤمّن لهم الحماية، وأحيانًا تنضمّ إلى صفوفهم كمعتدية. وفي بعض الحالات تفضّل إبعاد الفلسطينيّين تحديدًا من أجل تجنّب الإصابات.

وقد وثّقت “بتسيلم” أحداثًا هاجم فيها المستوطنون فلسطينيّين، بما في ذلك أشرطة فيديو صوّرها المتطوّعون في المؤسسة، وسلّمت الموادّ إلى شّرطة وجيش الاحتلال.

تاريخيا، كانت الأغوار الشمالية، واحدة من الأماكن التي ساعدت الفلسطينيين على تربية آلاف رؤوس الماشية فيها، مستفيدين بذلك من المساحات الواسعة التي تصنف كمراعٍ تقدم الغذاء المجاني لمواشيهم، لكن في السنوات القليلة الماضية انحصر وصول الفلسطينيين إليها بالنظر فقط، وأصبح الوصول إليها تماما كرحلة إلى المجهول، كما علق بعض الرعاة.

وتقول المعطيات على الموقع الإلكتروني لــ”بتسيلم”: إن معظم أراضي منطقة الأغوار وشمال البحر الميت تستغلّها إسرائيل لاحتياجاتها، إذ تمنع الفلسطينيين من استخدام نحو 85% من المساحة، وتمنعهم من المكوث فيها ومن البناء ومن وضع بُنى تحتيّة ومن رعي الأغنام ومن فلاحة الأراضي.

وأضافت “بتسيلم” “يندرج ضمن هذا الواقع ظاهرة البؤر الاستيطانية، حيث انشئت منذ تسعينات القرن الماضي نحو 100 بؤرة في أماكن كثيرة في أنحاء الضفّة الغربيّة، لتوسّع مجال سيطرة المستوطنات وتضاعف مرّات ومرّات مساحات الأراضي الفلسطينيّة المنهوبة، وهذا النهب ترافقه أعمال العنف والتهديدات ومهاجمة الرّعاة وسلب الأراضي الفلسطينيّة”.

الاخبار العاجلة