بقلم تحسين يقين عن جريدة الايام
في خطوة لا ندري مدى المفاجأة فيها، أعلنت الولايات المتحدة انسحابها العسكري من سورية، والذي سيتم على مراحل، لكن بالطبع إنّ ذلك لا يعني الانسحاب السياسي، حيث لا بد من تفاهم ما يتم على أسس شراكة لحل النزاعات في هذه المنطقة.
إنها منظومة علاقات معقدة، مرتبطة معاً، وعلى الرغم من ذلك، فإن الخيط الناظم للحلول يبدأ بتطبيق القانون الدولي، وهو الذي يضمن الحد الأدنى من التعايش والسلام.
وبالطبع، إنه في ظل المنظومة الدولية، يصعب عزل الأمور عن بعضها بعضاً، وما يزيد من تعقد حل النزاعات هنا استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وازدياد عناد إسرائيل.
لذلك قبل عام مضى، كتبت هنا بضرورة كفّ تدخل إسرائيل في الخلافات والنزاعات في هذه المنطقة، لأن تدخلها يعقّد من الأمور، ويزيد الأزمة بدلاً من حلها. وقلت: إن مفتاح ذلك يأتي بلا شك من الدول الكبرى، واحدة أو أكثر، متصوراً أن الدولة المهيأة لذلك اليوم هي روسيا، بدعم وإسناد دولي، إن تحلت تلك الدول بما يكفي من الحكمة اللازمة لإزالة أسباب النزاع. ووقتها أملنا بمبادرة تحفظ ماء وجه الجميع، وتزيل أسباب الخوف والقلق، الذي يدفع بتحالفات تستفيد منها إسرائيل، التي تزداد قوة وعناداً، وبالتالي تطيل عمر احتلالها.
تلك هي الحكمة!
ما الذي يمكن أن نضيفه هنا؟
الشراكة هي الحكمة، وهي البديل السياسي للتحالفات، التي أصلاً لها نهاية، فلا نزاع يستمر طويلاً، حيث تتوصل الأطراف دوماً إلى حلول بديلة للعمل المسلح.
نحن ننظر للدولة العظمى نظرة تقوم على أنها تشبه حال الشقيق الأكبر، الذي يرعى أسرته تماماً كما الأب والأم، ومساواته وحبه لأفراد الأسرة عادة ما تنبع من معايير عادلة، وفي حالة الدول فإننا نعني القانون الدولي.
فهل سأل العالم بما فيه الدول العظمى عن مفتاح حل الطريق المسدود في مفاوضات السلام بدلاً من تشخيصها؟
كثير من الدول، وعلى رأسها روسيا الاتحادية تؤكد دوماً أن شرط السلام العالمي هو حل القضية الفلسطينية، فهل يمكن ربط ذلك بحل النزاعات الأخرى في المنطقة، كمفتاح وعامل مساعد لإنهاء حالة النزاع والصراع؟
لا شك أن روسيا الاتحادية كدولة عظمى يمكن أن تلعب دوراً هنا، كما فعلته وتفعله في سورية مثلاً بالتعاون مع إيران وتركيا، وموافقة أميركية، بمعنى أن أي جهد دولي تقوده روسيا، بما تملك من علاقات متوازنة، وعلاقات غير عدائية مع الأطراف، سيؤدي إلى المساهمة الجادة في حل القضية الفلسطينية.
من البدايات الفاعلة هنا، أن تبادر روسيا كدولة تتميز بعلاقات متوازنة بدور الوسيط لحل النزاع الإيراني – السعودي المصطنع، لكن روسيا تحتاج أن تقوم الدولتان بتوسيط روسيا، التي نظن أنها قادرة على ضمان أي اتفاق، لأنه لا يمكن استمرار هذا الخلاف الذي يؤثر على مجمل العلاقات الدولية هنا. والظن أن الجمهورية الإيرانية والمملكة العربية السعودية بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، للوصول إلى تفاهم سياسي يوفر على البلدين الكثير من الوقت والمال والقلق. في العمق، ليس هناك نزاع، بل تم اصطناعه في سياق علاقات القوة، وتوظيفه لأنواع التقوية الاقتصادية للأفراد لا الشعوب.
في هذا السياق، فإن الركض وراء التسلح النووي، لن يكون ذا جدوى، لدول المنطقة، بل الأفضل هو نزع هذه الأسلحة عبر حل سلمي دائم يضمن رفاهية الشعوب جميعها دون استثناء.
فهل تستطيع روسيا فعل ذلك؟
تستطيع إن ضمنت الشراكة، لكن ذلك يعني أن تلتقي المصالح الدولية وليس فقط مصالح الدول الأطراف، بمعنى أن هناك مفارقة في السياسة الدولية، وهي: هل يمكن للطرفين إن اقتنعا بالتصالح أن يمضيا في ذلك لحل نقاط التوتر والنزاع؟ أم يجب أن توافق الدول الكبرى ذات العلاقة؟
في توجهاتها الدولية، تؤكد روسيا على قيم إنسانية، على رأسها عدم فرض السياسات، وتميل إلى دمقرطة العلاقات، واحترام خصوصيات الثقافات، وبالطبع تحترم حق تقرير المصير. كذلك الحال فإن توجهات الولايات المتحدة بما تعلنه من إيمان بالسلام والديمقراطية والقانون الدولي واحترام الدول وحقها في تقرير المصير، تأتي في هذا السياق، وأيضاً دول الاتحاد الأوروبي ودول فاعلة أخرى في العالم تؤكد على هذا المنحى. فما الذي يمكن أن يبنى على ذلك؟
في سورية، واليمن، وليبيا، ولعل العراق ليست ببعيدة عن هذا التداخل، ثمة مجال لعمل اختراق، يعيد الأمور لسابق عهدها بل وأفضل:
• في سورية، بعد مرحلة النزاعات المسلحة، يصار إلى رعاية دولية للتحولات، بحيث يختار الشعب السوري ما تم اقتراحه من قبل اللجنة الدستورية، ويمضي في طريقه لإعادة الإعمار، وإعادة بناء نظام سياسي يشترك الكل السوري فيه. ولعل روسيا الاتحادية هي المرشحة دولياً للمساهمة في قيادة هذا التوجه الدولي المدعوم عربياً، والذي يستجيب للحاجات الوطنية السورية.
• في اليمن، يعلن اليمنيون بكل صراحة ومحبة اختيار الشكل الديمقراطي، واختيار علاقات التعاون مع الدول كافة. ومن ثم تبدأ ورشة مماثلة لإعادة الإعمار وبناء نظام سياسي على أرض قوية.
• في ليبيا، يشجع العالم، وبقيادة روسية أيضاً، وتفاهم دولي، الأطراف جميعها على البدء الفعلي لوضع أسس ترعى الدولة الحديثة، التي ترعى مصالحها وتحافظ على مواردها، وتؤكد سيادة الدولة، تمهيداً للانتفاع من الثروات.
• في العراق، ضمان الاستقرار، والنهوض الاقتصادي، ومفتاح ذلك هو التعاون السياسي، وحسن العلاقات مع الجوار، وجعل النفط أحد وسائل ضمان الاستقرارين السياسي والاجتماعي، ومأسسة ذلك تعليمياً وثقافياً وإعلامياً.
أما في فلسطين، فإنها تعني الأرض المحتلة وتعني تواجد الفلسطينيين في كل مكان داخل الوطن وخارجه، بمعنى ضمان التحرر الوطني، ودعم اللاجئين تمهيداً لعودتهم.
لذلك، فإننا ننظر إلى الحديث عن إعمار مخيم اليرموك، ودعم وكالة الغوث، إنما يصب في هذا الاتجاه، الذي ينبغي أن يتكامل مع إنهاء الاحتلال. لا توجد طريقة أخرى لحل الصراع هنا إلا بالدولة الفلسطينية على حدود العام 1967، إلا إذا تم اختصار العقد التاريخية والبدء في حل الدولة الواحدة، لكن والحالة على هذا النحو أي مع بقاء الاحتلال، فإن شرط السلام العالمي لن يتحقق.
• فهل ستستطيع روسيا القيام بهذا الدور؟
• أظن أن الجواب هو بالإيجاب إن تم ضمان وجود شركاء ورضا الأطراف معاً.
إن قراءة التاريخ هنا على هذه الجغرافيا، ربما تؤشر للخطوط الخضراء والحمراء في تفاهمات لدول كبرى، حول مصالحها ومناطق تدخلها واهتمامها، لكن ما سوف يغير تلك العلاقات هو إيمان الكل الدولي والعربي، والإسرائيلي، بأن السلام هو الاستقرار والتقدم وسعادة الشعوب.
فهل سنشهد حركة سياسية دولية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وحل النزاعات بين الدول هنا؟
إن لم نشهد تلك الحركة الدولية – الأممية، فإن تفسير ذلك هو أن الدول الكبرى تؤْثر حالة النزاع لا السلم!
لقد تعب الجميع وتألموا وخسروا، والفرصة فعلاً مهيأة للتغيير، في ظل إرادات شعبية وحكومية تميل للحلول الذي ينجيها ويخلصها من الأزمات، لتستأنف حياتها بأريحية.
في ظل السلام الدولي يتم ضمان مصالح الجميع، فهل نختار مصالح الشعوب العليا أم مصالح بعض الأفراد المنتفعين من النزاعات؟
لنختبر معاً القانون الدولي بجدية ولو مرة!







